جامعة فيلادلفيا تهنئ جلالة الملك وولي العهد بذكرى معركة الكرامة*   |   الكرامة نهج وطن وسيادة لا تُمس في زمن التحديات   |   سامسونج تطرح سلسلتي Galaxy S26 وGalaxy Buds4 في الأسواق العالمية   |   زين كاش تنفّذ سلسلة مُبادرات خيرية خلال الشهر الفضيل   |   هايبرماكس الأردن توقع شراكة مع نجم المنتخب الوطني يزن النعيمات لدعم 《النشامى》     |   الإعلان عن فعاليات 《أماسي العيد》خلال أيام عيد الفطر   |   ملاحظات ابو غزاله الثانية حول تطورات الحرب في مرحلتها الجارية   |   جورامكو تنفذ حملة ملابس الشتاء لـ الأسر الأقل حظاً   |   الحجاج: دماء شهداء الواجب ترسم طريق الحسم في مواجهة آفة المخدرات   |   نوران الزواهرة وقصة نجاح أردنية بدعم من مركز تطوير الأعمال   |   شركة جيه تي انترناشونال (الأردن) تعزز روح العطاء في رمضان   |   Orange Jordan Team Volunteers at Mawa ed Al-Rahman for Social Solidarity in Ramadan   |   أورنج الأردن تعزز التكافل الاجتماعي بتطوع موظفيها في موائد الرحمن الرمضانية   |   البنك الأردني الكويتي ينفذ سلسلة من المبادرات الإنسانية والتطوعية خلال شهر رمضان المبارك   |   التحديث الاقتصادي: خطط طموحة في زمن صعب   |   البنك العربي ينفذ عدداً من الأنشطة التطوعية خلال شهر رمضان بالتعاون مع تكية أم علي   |   بنك الأردن يشارك الأطفال فرحة رمضان ضمن مبادرة 《ارسم بسمة》   |   《جوائز فلسطين الثقافية》 تمدد باب الترشح حتى نهاية آذار 2026   |   الفوسفات الأردنية تتقدم 20 مرتبة على قائمة فوربس وتعزز ريادتها الإقليمية والعالمية   |   جدار سامسونج السحري في مواجهة حذر أبل   |  

المشرق العربي بين مسارات التجارة ومصالحة الذات


المشرق العربي بين مسارات التجارة ومصالحة الذات
الكاتب - م. سعيد بهاء المصري

المشرق العربي بين مسارات التجارة ومصالحة الذات

 

م. سعيد بهاء المصري

 

يشهد العالم اليوم عودة ملحوظة لإحياء طرق التجارة القديمة، ضمن مساعٍ غربية لتأمين خطوط الإمداد وتخفيف التبعية الاقتصادية لمراكز الإنتاج البعيدة. ومن بين هذه المشاريع يبرز ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الذي من المقرر أن يربط القارات الثلاث بشبكة من الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات. غير أن نجاح مثل هذا الممر لا يقاس بطول مساره أو بتطور بنيته التحتية، بل بقدرة المجتمعات التي يمرّ عبرها على استيعابه واستثماره.

 

يقع المشرق العربي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق في قلب هذا التحول الجغرافي الاقتصادي. غير أنّ هذه المنطقة التي كانت يومًا ملتقى الحضارات والديانات، تعاني اليوم من انقساماتٍ قومية وطائفية وثقافية عمّقت هشاشتها السياسية والاقتصادية. ولذلك، فإن أول شروط النهوض لا يكمن في بناء الممرات المادية فحسب، بل في إعادة ترميم النسيج المجتمعي والفكري عبر حوار ديني وثقافي يعيد الثقة بين المكوّنات المختلفة، ويُمهّد لسلامٍ داخلي يسبق أي اندماج اقتصادي.

 

لا يمكن لأي مشروع إقليمي أن ينجح ما لم تُهيّأ بيئة تعاونٍ عربي حقيقي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى سوق عربية موحّدة لا كشعارٍ سياسي، بل كإطارٍ اقتصادي مؤسسي يُعاد من خلاله تنظيم التجارة والاستثمار بين دول المنطقة على أساس المنفعة المتبادلة. إن بناء هذه السوق يحتاج إلى شراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، بما يتيح نقل الخبرة والتشريعات وتسهيل تدفق الاستثمارات، ويُمهّد لتحوّل منطقتنا إلى جسر طاقةٍ واتصالٍ وتجديدٍ اقتصادي بين الشرق والغرب.

 

إن المشرق العربي مؤهل ليكون أحد أهم مراكز الاستثمار في العالم إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة. فالموارد الشمسية والرياح تمتد على مساحاتٍ شاسعة، ومشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة تمثل مستقبل الصناعة النظيفة. كما يمكن للمنطقة أن تصبح عقدةً استراتيجية في تمديد كوابل الكهرباء والبيانات والاتصالات التي تربط آسيا بأوروبا، بما يجعلها محورًا للتكامل الطاقي والتقني معًا.

 

غير أن أي مشروع للتكامل أو الاستقرار لن يكتمل من دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي غزة والضفة الغربية، فهي ليست قضية سياسية فحسب، بل شرطٌ جوهري لتحقيق السلام المستدام وجعل المنطقة مؤهلة لجذب الاستثمار الدولي. إن استقرار المشرق لا يمكن أن يتحقق في ظل بقاء شعبٍ محاصرٍ بلا أفقٍ سياسي، كما أن السلام الاقتصادي لا يعيش في بيئةٍ من الظلم أو الإقصاء.

 

لقد أصبح الوجود الإسرائيلي واقعًا جغرافيًا وسياسيًا في المنطقة، غير أن العقيدة الأمنية التي تبنتها إسرائيل القائمة على الردع والهيمنة أطاحت بكل القيم الإنسانية من خلال حرب الإبادة التي خاضتها ضد الشعب الفلسطيني. يصعب على من فقد أحبّاءه أن ينسى أو يغفر، كما يصعب على شعوب المنطقة من فلسطين إلى سوريا ولبنان وحتى العراق أن تتعايش مع إرثٍ من العنف والدمار. وإذا كانت إسرائيل أحد المستفيدين الرئيسيين من مشاريع إعادة بناء اقتصادات المنطقة، فإن من العسير تخيّل اندماج الفكر العدواني والعسكري مع أجواء التنمية والازدهار التي يتطلع إليها العالم لمنطقتنا اليوم. لذلك، فإن على إسرائيل أن تعيد النظر في فكرها الأيديولوجي التوسعي والعدواني، وأن تستبدل سياسات القوة بالحوار والاحترام مع الأمم التي تعيش بينها. فالسلام لا يُفرض بالدبابات والطائرات ولا بالتفوّق التكنولوجي، بل بالتعايش والاعتراف المتبادل. إن أمام إسرائيل خيارين واضحين: إمّا الاستمرار في سياسات القوة والاحتلال وبالتالي إفشال مشاريع التنمية الإقليمية التي يعوّل عليها الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة أو أن تجنح للسلم وتتعامل بندّية واحترام مع شعوب الإقليم وقياداته، بما يتيح للجميع إعادة بناء المنطقة واستعادة الأمل بعد عقودٍ من الحرمان.

 

إن المنطقة أمام فرصة تاريخية: فإما أن تكون مجرد ممرٍّ لعبور الآخرين، أو أن تتحوّل إلى جسرٍ حيٍّ بين الشرق والغرب يقوم على المعرفة والطاقة والتكامل الإقليمي. وذلك يتطلب رؤيةً جديدة تبدأ من مصالحة الذات، وتمرّ عبر بناء مؤسساتٍ عربيةٍ قادرة، وتنتهي بفتح أبواب الشراكة مع العالم على أسسٍ من الندية والمسؤولية. فكما كانت بلادنا قديمًا مهدًا للمدنية، يمكن أن تكون اليوم منطلقًا لنهضةٍ اقتصاديةٍ وإنسانيةٍ جديدة، إن نحن أعدنا الثقة بأنفسنا وببعضنا البعض.