قانون الغاز.. من الإقرار تحت القبة إلى التحدي على أرض الواقع
أقرّ مجلس النواب مشروع قانون الغاز لسنة 2026، في خطوة تشريعية تُعد من أبرز التحولات التنظيمية في قطاع الطاقة خلال العقود الأخيرة، باعتباره قانونا استراتيجيا ذا أبعاد سيادية واقتصادية وفنية، يؤسس لمرحلة جديدة في إدارة سوق الغاز وتعزيز أمن التزود بالطاقة وتهيئة البيئة الاستثمارية لمشروعات الطاقة النظيفة.
وجاء إقرار المشروع بعد سلسلة مناقشات موسعة قادتها لجنة الطاقة والثروة المعدنية النيابية على مدار4 جلسات، ناقشت خلالها مواد القانون مادةً مادة، واستضافت الجهات المختصة والخبراء، ودرست المقترحات والتعديلات بميزان فني وتشريعي دقيق، في مسار عكس منهجية احترافية في التعامل مع القوانين ذات الطابع الفني المعقد.
وأشاد عدد من النواب لـ الرأي، بالأداء المتخصص للجنة، مؤكدين أن النقاشات اتسمت بتفكيك النصوص بدقة، والرد على المقترحات بمرجعية قانونية واضحة، وتحقيق التوازن بين البعد السيادي ومتطلبات الاستثمار، إلى جانب حماية حقوق المستهلك دون الإضرار بجاذبية القطاع.
وبرز خلال الجلسات دور أعضاء اللجنة ورئيسها الدكتور أيمن أبو هنية، الذي قدّم شروحات تفصيلية حول فلسفة كل مادة وأسبابها، مستندا إلى مبررات فنية واقتصادية، ما ساهم في توضيح منطق التشريع وتقليص مساحات التأويل، وانعكس على تصويت المجلس بإقرار غالبية المواد كما وردت من اللجنة.
وأدخلت اللجنة جملة تعديلات وُصفت بالجوهرية، من بينها إضافة عبارة -إنذار خطي- لتعزيز الضمانات الإجرائية، وتعديل مدد التقدم للحصول على الرخص في حال الإلغاء لضبط المساءلة، إلى جانب حذف عبارات قد تُحدث التباسا واستبدالها بصياغات أكثر دقة، فضلاً عن إضافة تعريف "شهادة منشأ للهيدروجين الأخضر" دعماً للبعد التصديري ومواءمة المعايير الدولية.
كما تم ضبط بعض مواد المسؤولية والسلامة لتفادي التفسير المفرط، فيما جرى الإبقاء على مواد أخرى كما وردت من الحكومة بعد قناعة فنية بسلامتها وجدواها للسوق.
ويؤسس القانون، وفق مضمونه، لإعادة تنظيم سوق الغاز، وتهيئة البيئة التشريعية لمشروعات الهيدروجين الأخضر، وتعزيز أمن التزود بالطاقة، وتنظيم العلاقة بين الدولة والمستثمر والمستهلك، إضافة إلى حماية المرافق الاستراتيجية بعقوبات رادعة وترسيخ مبادئ الفصل المحاسبي والاستقلال التشغيلي.
ويرى مختصون أن القانون يمثل بنية تحتية تشريعية متقدمة لقطاع الطاقة، ويعكس توجها وطنيا لمواكبة التحولات العالمية في مصادر الطاقة وتنويعها.
وبينما طوى المجلس صفحة الإقرار تحت القبة، تبقى المرحلة الأهم في حسن التطبيق على أرض الواقع، باعتبار أن جودة التشريع تمثل بداية الطريق، فيما يشكل التنفيذ الفعّال المعيار الحقيقي لنجاح القانون وتحقيق أهدافه الاستراتيجية.

