سايكس بيكو جديد بقلم المهندس مروان الفاعوري
بسم الله الرحمن الرحيم
سايكس بيكو جديد
بقلم المهندس مروان الفاعوري
تمر منطقتنا اليوم بمرحلة تاريخية دقيقة، تتقاطع فيها المشاريع الدولية والإقليمية، وتتصارع فيها الرؤى والمصالح على نحو غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وما نشهده من أحداث متسارعة ليس مجرد أزمات متفرقة، بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل كبرى للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط، في ظل صراع الإرادات الدولية وتنامي مشاريع الهيمنة التي تسعى إلى إعادة هندسة المنطقة سياسياً وثقافياً وأمنياً.
وفي قلب هذه التحولات يبرز المشروع الصهيوني الذي لم يخفِ منذ نشأته طموحه إلى إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة بما يخدم رؤيته الأيديولوجية والاستراتيجية. فقد قامت الحركة الصهيونية منذ بداياتها على مزيجٍ معقد من الطموحات الاستعمارية والأساطير الدينية، حيث جرى توظيف بعض التأويلات التلمودية والخرافات الميثولوجية لإضفاء بعدٍ “مقدس” على مشروع سياسي توسعي. وفي هذا السياق، جرى الحديث في الأدبيات الصهيونية المتطرفة عن ما يسمى بمعركة “هرمجدون”، باعتبارها لحظة فاصلة في صراع كوني مزعوم يسبق إقامة الهيمنة الكاملة في المنطقة.
هذه الرؤية الأيديولوجية لم تبقَ مجرد خطابٍ ديني أو أسطوري، بل تحولت في بعض الدوائر السياسية إلى عنصرٍ من عناصر التفكير الاستراتيجي الذي يسعى إلى تفكيك البنية السياسية والاجتماعية للدول المحيطة بفلسطين المحتلة، وإعادة تركيبها وفق خرائط جديدة تخدم أمن الكيان الصهيوني وتضمن تفوقه الدائم. وهنا تتقاطع هذه الرؤية مع مشاريع دولية أوسع تسعى إلى إعادة رسم خرائط المنطقة، على نحو يعيد إلى الأذهان اتفاقية سايكس–بيكو التي قسمت المشرق العربي قبل أكثر من قرن، وكأننا اليوم أمام نسخة جديدة من تلك الاتفاقية ولكن بأدوات أكثر تعقيداً وتأثيراً.
إن الحديث المتزايد في مراكز الدراسات الاستراتيجية عن “الشرق الأوسط الجديد” أو “إعادة تشكيل المنطقة” لا يمكن فصله عن مسار طويل من محاولات تفكيك الدول وإضعافها عبر إشعال النزاعات الداخلية وإثارة الانقسامات المذهبية والعرقية. وقد أثبتت التجارب في عدد من الدول أن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات هو تحويل التنوع الطبيعي فيها إلى صراعات طائفية مدمرة تمزق النسيج الوطني وتفتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
وفي هذا السياق تأتي التطورات الأخيرة المرتبطة بالتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي بلغت مستوى غير مسبوق من التوتر، لتضيف بعداً جديداً إلى حالة الاضطراب الإقليمي. فالعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، وما يحمله من مخاطر توسع الصراع، لا يمثل مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل يحمل في طياته احتمالات خطيرة لجر المنطقة بأكملها إلى دوامة من عدم الاستقرار.
غير أن الحقيقة المؤلمة التي ينبغي الاعتراف بها بوضوح هي أن الخاسر الأكبر في أي صراع إقليمي واسع لن يكون طرفاً بعينه بقدر ما ستكون الدول العربية والإسلامية وشعوبها هي التي تدفع الثمن الأكبر. فالحروب في منطقتنا لم تعد مجرد مواجهات عسكرية محدودة، بل أصبحت حروباً مركبة تستنزف الموارد الاقتصادية وتفكك المجتمعات وتفتح الباب أمام مشاريع الهيمنة الخارجية.
ومن المفارقات التاريخية أن إيران نفسها، التي تقف اليوم في مواجهة ضغوط دولية وإقليمية متزايدة، تجد نفسها أيضاً أمام نتائج السياسات التي انتهجتها خلال العقود الماضية في عدد من الدول العربية والإسلامية. فقد ساهمت السياسات التي قامت على توظيف الانقسامات الطائفية في إذكاء صراعات مريرة في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان، وهي صراعات لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الجراح داخل المجتمعات الإسلامية وإضعاف قدرتها على مواجهة التحديات الكبرى التي تهدد مستقبلها.
لقد أثبتت التجربة أن إشعال النزاعات المذهبية قد يمنح بعض الأطراف مكاسب سياسية مؤقتة، لكنه في النهاية يفتح أبواب الفوضى التي لا يمكن السيطرة عليها. فالنار التي تُشعل في بيت الجار سرعان ما تمتد لتصل إلى بيوت الجميع، والمنطقة بأكملها أصبحت اليوم تدفع ثمن عقود من السياسات التي اعتمدت على منطق الصراع بدل منطق التعاون والتكامل.
ومن هنا فإن مسؤولية النخب الفكرية والسياسية في العالم العربي والإسلامي تزداد أهمية في هذه المرحلة الدقيقة. فالمطلوب ليس فقط قراءة الأحداث الجارية، بل العمل على صياغة رؤية استراتيجية قادرة على حماية المجتمعات من الانزلاق إلى مزيد من الصراعات والانقسامات. إن المشروع الحقيقي الذي تحتاجه الأمة اليوم ليس مشروع صراعٍ طائفي أو تنافسٍ جيوسياسي ضيق، بل مشروع حضاري يعيد الاعتبار لقيم العدل والتعاون والتكامل بين شعوب المنطقة.
وهنا يبرز دور المنهج الوسطي الذي يقوم على رفض التطرف بكل أشكاله، سواء كان تطرفاً دينياً أو سياسياً أو قومياً. فالوسطية ليست مجرد موقف أخلاقي، بل هي رؤية حضارية تسعى إلى بناء التوازن في العلاقات بين الدول والشعوب، وتعمل على تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم بدلاً من ثقافة الصدام.
إن المنطقة العربية والإسلامية تمتلك من الإمكانات البشرية والحضارية ما يؤهلها لتكون قوة فاعلة في النظام الدولي، لكنها لن تستطيع تحقيق ذلك ما لم تنجح في تجاوز الانقسامات الداخلية وتبني مشروعاً مشتركاً يقوم على التعاون والتكامل. كما أن مواجهة المشاريع التي تسعى إلى تفكيك المنطقة وإعادة رسم خرائطها لا يمكن أن تتم عبر ردود الفعل العاطفية، بل تحتاج إلى وعي استراتيجي عميق وإلى إرادة سياسية جامعة.
إن مدرسه الوسطية، وهي تواصل رسالتها الفكرية والثقافية، تؤكد أن الطريق إلى مستقبل آمن ومستقر يمر عبر إعادة الاعتبار لقيم العقل والحكمة والحوار، والتمسك بالقانون الدولي، والعمل على حل النزاعات بالطرق السلمية التي تحفظ الدماء وتصون كرامة الشعوب. فالحروب لم تجلب للمنطقة سوى مزيد من الدمار، بينما يبقى الحوار والتفاهم والتعاون الإقليمي الطريق الأكثر واقعية لبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
إن اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم تفرض على الجميع مراجعة عميقة للسياسات والمواقف، والانتقال من منطق الصراع إلى منطق بناء المصالح المشتركة. فاستقرار المنطقة ليس مصلحة لدولة بعينها، بل هو ضرورة حضارية لجميع شعوبها.
ومن هنا فإن رسالة الوسطية تظل دعوة مفتوحة إلى الحكمة والعقلانية، وإلى تجاوز الانقسامات الضيقة، والعمل من أجل بناء فضاء إقليمي يسوده السلام العادل والتعاون المثمر بين الأمم والشعوب.

