بين نظام الرزق وفوضى التوزيع: قراءة في سيكولوجية الحشود
بين نظام الرزق وفوضى التوزيع: قراءة في سيكولوجية الحشود
تبدو الحياة في ظل الحاجة والعوز وكأنها معركة يومية بائسة لا تنتهي، معركة تتبدل فيها الأولويات لتتحول أساسيات العيش البسيطة إلى أهداف سامية بعيدة المنال. فبينما نجد الأرض تجود بخيراتها بلا قيود، والطير يغدو خماصاً ويروح بطاناً في نظام كوني لا يعرف "الحواجز الأمنية" أو "كشوفات الأسماء"، نجد رزق الإنسان قد كُبّل منذ عقود بتعقيدات بشرية وتوزيعية جائرة.
إن هذا التباين الصارخ لا يعود لخلل في "نظام الرزق" الإلهي، بل هو خلل صريح في "نظام التوزيع" البشري. فالمساعدات الإنسانية التي انحرفت عن غاياتها الأصلية، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات لتصادم القيم، حيث تُهدر كرامة الفئات الهشة من كبار السن والنساء والأطفال تحت وطأة التدافع، لتتسرب المساعدات إلى جيوب الأقوياء وتُترك الفتات لمن لا يملك إلا صوته.
ومع قرع طبول الخير وتزايد المبادرات الموسمية، نجد أنفسنا أمام ظاهرة اجتماعية مقلقة تُعززها "سيكولوجية الحشود". ففي إطار غياب التنظيم، تذوب المسؤولية الفردية داخل الجماعة، ويشعر الفرد بأنه جزء من "كتلة" تمنحه المبرر لتجاوز القواعد. هنا تظهر السلوكيات المنفلتة؛ من اعتداء لفظي، أو تدافع، أو تجاوز لرجال الأمن، وحتى تبادل الاتهامات والشكوك بين المحتاجين والمنظمين على حد سواء.
إن هذا المشهد الفوضوي، الذي يغيب فيه الالتزام الأخلاقي ويحل محله دافع الهجوم والمبادرة العنيفة، يحول العمل الإنساني من صورة للتكافل إلى ظاهرة مشوهة ومبعثرة. وهذا يدفعنا للتساؤل بعمق: هل هذا السلوك نتاج دافع نفسي شخصي، أم هو انعكاس لواقع طبقي مأزوم، أم نتيجة سياسات اقتصادية لم توفر الحد الأدنى من الكرامة؟
إن إصلاح هذا المشهد يتجاوز مجرد توزيع "كرتونة مساعدات"، بل يستحق فعلاً منظماً يهدف لترميم الكرامة الإنسانية ووضع حد لغوغائية التوزيع.
الدكتورة دلال شوكت العدينات
تخصص علم أجتماع وجريمة

