القعقاع التميمي
القعقاع التميمي
الحرب خدعة
«خاااااااااالد..!»
لم تكن صرخةً عابرة في غبار المعركة.
ولم تكن صوت فارسٍ يريد أن يسمعه من حوله.
كانت لحظةً فاصلة بين النصر والكارثة.
وصوتًا خرج من عينٍ رأت ما لم يره الآخرون.
في ميدانٍ اشتبكت فيه السيوف واختلط فيه الغبار بصليل الحديد وصيحات التكبير، كان خالد بن الوليد يبارز هرمز قائد الفرس، وكانت الأنظار كلها تتجه إلى قائد الفرس وسيف الله، حيث تدور المبارزة ويُنتظر حسم المواجهة.
لكن الخطر لم يكن هناك.
كان يأتي من الخلف.
من المكان الذي لا تنظر إليه العيون المنشغلة بالقتال.
ومن الزاوية التي يظن الجميع أنها آمنة.
هناك…
كان الغدر يقترب.
وكان الموت يزحف بصمت.
إلا أن رجلًا واحدًا انتبه.
فارس بني تميم.
لم يكن يلفت الأنظار بكثرة الكلام.
ولم يكن أشدهم اندفاعًا.
لكنه كان يملك نعمةً نادرة.
كان يرى ما وراء المشهد.
ويراقب ما لا يراقبه الآخرون.
ويبحث عن الخطر قبل أن يبحث عن المجد.
هنا يكمن الفرق بين من يحمل السيف…
ومن يحمل البصيرة.
فكثيرون يستطيعون مواجهة العدو حين يظهر.
أما القلة فهم الذين يدركون وجوده قبل أن يظهر.
وفي تلك اللحظة القصيرة…
لم يكن بين خالد بن الوليد وطعنة الغدر إلا لحظة صمت.
لحظة لو تأخرت عنها العين أو الكلمة لتغيّر كل شيء.
لكن صاحب البصيرة سبقها.
فانطلقت الصرخة:
«الغدر يا خااااااالييييد!»
فالتفت القائد في اللحظة المناسبة.
وضاعت الطعنة.
وسقطت الخدعة.
وبقيت الراية مرفوعة.
وربما بقي معها تاريخٌ كامل كان يمكن أن يُكتب بصورة أخرى.
ولسنا نلوم هرمز على محاولته الغدر بسيف الله.
فالحرب خدعة.
وكانت كذلك منذ فجر التاريخ.
لكن ما يخلّده التاريخ ليس من دبّر الخدعة…
بل من كشفها قبل أن تكتمل.
وهنا كان دور التميمي.
فلم يمنع الغدر لأنه أقوى من الجميع.
بل لأنه انتبه إليه قبل الجميع.
لم يكن سر ذلك الفارس في صوته.
فالأصوات كثيرة.
ولم يكن سرّه في شجاعته.
فالشجعان لا يُحصَون.
بل كان سرّه أنه عرف متى يتكلم.
وكيف يوصل صوته.
فالتحذير الذي يأتي مبكرًا قد لا يلتفت إليه أحد.
والتحذير الذي يأتي متأخرًا لا يغيّر شيئًا.
أما الكلمة التي تأتي في وقتها…
فقد تنقذ قائدًا.
وتحفظ جيشًا.
وتغيّر مجرى أمة.
وأحيانًا لا يكون الجندي من يحمل السلاح وحده.
فقد يأتي زمنٌ تصبح فيه الكلمة موقعًا من مواقع الدفاع الأولى.
ويصبح الصوت الصادق في الوقت المناسب والمكان المناسب جنديًا محاربًا لا يقل أهمية عن غيره من الجنود.
لا يحمل سيفًا.
ولا يقف خلف متراس.
لكنه يحرس الوعي.
ويرفع المعنويات.
ويعزز الولاء والانتماء.
ويكشف الخدعة قبل أن تكتمل.
وينبّه الناس إلى الخطر قبل أن يصل إليهم.
فلكل معركة رجالها.
ولكل ثغرٍ حراسه.
ولهذا بقي اسم القعقاع التميمي شاهدًا على حقيقة لا تتغير:
أن الأمم لا تحتاج إلى الشجعان وحدهم.
بل تحتاج أيضًا إلى أصحاب البصيرة.
أولئك الذين يرون الخطر قبل أن يراه الناس.
ويقولون الكلمة في وقتها…
كرجلٍ بألف فارس.
فكثيرًا ما تبدأ الهزائم بغفلة…
قبل ان تنتهي بضربة سيف.
د. نهاد الجنيدي

